
أكدت دراسة تضمنها العدد الخامس والعشرون من مجلة بيت المشورة العلمية المحكمة أن البنوك الإسلامية تستند في عملها إلى قواعد فقهية أساسية، توفر الأسس الشرعية لإدارة المخاطر وتحقيق العدالة في التعاملات المالية وقد أثبتت البنوك الإسلامية قدرتها على الصمود أمام الأزمات، ولعل أبرز دليل على ذلك محدودية تأثير الأزمة المالية العالمية التي نشبت في عام 2008 عليها مقارنة بالبنوك التقليدية نظراً لاعتمادها على أصول حقيقية وآليات تمويل تشاركية ورغم حداثة التجربة، فقد استطاعت البنوك الإسلامية تحقيق انتشار واسع على المستويين الإقليمي والعالمي، وأصبحت اليوم ركيزة أساسية ضمن مكونات النظام المالي العالمي مع تنامي التوجه نحو الحلول المالية الرقمية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وأشارت الدراسة التي أعدها عبد الهادي طاشكندي أستاذ التمويل المساعد في جامعة الملك عبدالعزيز إلى أن التكنولوجيا المالية تتمتع بأهمية متزايدة في المجتمعات الإسلامية، إذ تُسهم في تسهيل تقديم الخدمات المالية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، من خلال منتجات شفافة وخالية من الفائدة، بما يعزز بعدها الأخلاقي والاجتماعي.
وتمثل البنوك الإسلامية بيئة خصبة لتبني هذه الحلول، نظرًا لخصوصية فلسفتها القائمة على الشراكة والتمويل العادل، التي تتلاقى في جوهرها مع أهداف التكنولوجيا المالية في تحقيق الكفاءة والعدالة والوصول الواسع إلى الخدمات المالية وقد أدى هذا التقارب إلى نشوء نمط حديث يُعرف بالتكنولوجيا المالية الإسلامية التي باتت تشهد انتشارًا على المستويين الإقليمي والعالمي وتشير الإحصاءات الحديثة إلى وجود أكثر من 490 شركة ناشئة تعمل في هذا المجال، تقدم حلولا رقمية الشريعة الإسلامية، مستفيدة من تقنيات متقدمة مثل البلوكتشين والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وأسهمت هذه التطورات في تضييق الفجوة بين البنوك الإسلامية ونظيراتها التقليدية، من خلال تحسين الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وجذب شريحة أوسع من العملاء. وعلاوة على ذلك، رافق هذا النمو تزايد في الطلب العالمي على المنتجات الأخلاقية والمسؤولة اجتماعيا، الأمر الذي يفتح آفاقا واسعة أمام التكنولوجيا المالية الإسلامية لتوسيع حضورها وتعميق أثرها في الاقتصاد العالمي.
وقالت الدراسة إن التكنولوجيا المالية تسهم في تحقيق مقاصد الشريعة من حيث تسهيل المعاملات وتقليل التكاليف وتحقيق الشمول المالي، في حين توفر المصرفية الإسلامية إطارًا أخلاقيًا وقانونيًا يضمن سلامة الاستخدام ويحد من الانحرافات السلوكية أو المخاطر الشرعية المحتملة. وفي المقابل، يظل هذا التكامل بحاجة إلى بيئة تنظيمية وتشريعية مرنة، توازن بين متطلبات الابتكار التقني والالتزام بالضوابط الشرعية، إضافة إلى تطوير كوادر مصرفية تجمع بين الفهم العميق للفقه المالي الإسلامي والمعرفة التقنية الحديثة.