
اعتبر بنك قطر الوطني QNB أن التحول في السياسة التجارية الأوروبية يمثل استجابة إستراتيجية لاقتصاد عالمي يزداد انقساما ويصعب التنبؤ بمساراته. وأوضح البنك في تقريره الأسبوعي، أن الاتفاقيات التجارية الجديدة للاتحاد الأوروبي تمثل أداة إستراتيجية لتنويع الشراكات التجارية، بعيدا عن أكبر شريكين تجاريين له، وفتح أسواق جديدة أمام صادراته، لا سيما في الاقتصادات ذات إمكانات النمو المرتفعة، وفي مقدمتها الهند وتكتل ميركوسور ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، فضلا عن ضمان وصول أكثر موثوقية إلى المواد الخام الحيوية. وأشار التقرير إلى أن المكاسب الناجمة عن هذه الاتفاقيات ستتراكم تدريجيا، بما يدعم قدرة الاقتصاد الأوروبي على الصمود في المدى المتوسط.
وقال البنك: شهدت البيئة الخارجية للاتحاد الأوروبي على مدى العامين الماضيين، تدهورا ملحوظا، في ظل تراجع موثوقية أكبر شريكين تجاريين له في آن واحد. وذكر التقرير أن الإطار الجديد للتجارة المتبادلة والعادلة والمتوازنة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2026، باعتباره أحد الأطر الرئيسية المنظمة للتجارة الثنائية بين الجانبين، إذ يضع سقفا للرسوم الجمركية عند 15 بالمائة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي، ما يفرض حاجزا هيكليا أعلى أمام نفاذ الصادرات الأوروبية إلى أكبر أسواقها.
وفي المقابل، لفت إلى تحول الصين من مصدر رئيسي للطلب على المنتجات الأوروبية إلى منافس متزايد القوة، إذ بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع معها 359.8 مليار يورو في عام 2025، بعد انخفاض صادراته إليها بنسبة 6.5 بالمائة وارتفاع وارداته منها بنسبة 6.4 بالمائة. وربط التقرير هذه التطورات بتوجه بروكسل نحو توسيع شبكة اتفاقياتها التجارية، في أوسع تحرك من نوعه منذ عقود. واستعرض البنك الاتفاقيات التجارية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع تكتل ميركوسور والمكسيك وإندونيسيا والهند وأستراليا خلال عام 2025 والنصف الأول من عام 2026، مقدرا أن تسهم مجتمعة في رفع حصة التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي المشمولة باتفاقيات التجارة الحرة، إلى 53.3 بالمائة، مقارنة بنسبة 46.3 بالمائة في نهاية عام 2025.
ولفت التقرير إلى امتداد التحول في السياسة التجارية الأوروبية إلى منطقة جنوب شرق آسيا، موضحا أن الاتحاد الأوروبي والفلبين توصلا في سبتمبر إلى توافق مهم بشأن اتفاقية للتجارة الحرة، تتضمن تحرير أكثر من 94 بالمائة من بنود التعرفة الجمركية، بينما تتقدم المفاوضات مع تايلاند وماليزيا، مع استهداف استكمال الاتفاقيات الثلاث بحلول عام 2027. واعتبر أن الاتفاقيات المرتقبة، إلى جانب تلك القائمة مع سنغافورة وفيتنام وإندونيسيا، ستتيح للاتحاد الأوروبي بناء شبكة تجارية تغطي معظم دول رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تعد إحدى أسرع مناطق العالم نموا.
وناقش التقرير ثلاثة أهداف رئيسية لهذا التحول، وهي: تنويع العلاقات التجارية بعيدا عن الشركاء الرئيسيين الذين أصبحت سياساتهم تتسم بتزايد عدم اليقين، وإيجاد مصادر جديدة للطلب الخارجي وفرص للنمو في ظل فتور الاقتصاد الأوروبي، فضلا عن تعزيز الأمن الاقتصادي عبر تأمين إمدادات مستقرة وموثوقة من المواد الخام الحيوية. وفي تناوله الهدف الأول، أوضح أن الاتفاقيات الجديدة تحد من انكشاف الاتحاد الأوروبي على أكبر شريكين تجاريين له، في ظل تزايد صعوبة التنبؤ بسياساتهما التجارية. وبين أن الرسوم الجمركية الأمريكية المرتفعة أثرت سلبا على الطلب، مشيرا إلى تراجع صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة بنسبة 30.4 بالمائة على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026. وفيما يتعلق بالهدف الثاني، أوضح التقرير أن الاتفاقيات الجديدة تتيح مصادر إضافية للطلب الخارجي، في وقت لا يزال فيه النمو الاقتصادي الأوروبي فاترا، وتواجه قاعدته الصناعية ضغوطا في ظل استمرار ضعف أداء قطاع التصنيع. واستدل البنك بالاتفاقية التجارية مع الهند، التي تكشف عن حجم الإمكانات المتاحة أمام الصادرات الأوروبية، إذ تنص على إلغاء الرسوم الجمركية، إلى حد كبير، على الآلات التي تصل إلى 44 بالمائة، والمواد الكيميائية التي تبلغ 22 بالمائة، بينما ستنخفض الرسوم على السيارات الأوروبية تدريجيا من 110 بالمائة إلى 10 بالمائة ضمن حصة سنوية قدرها 250 ألف سيارة.
وفي المقابل، أورد التقرير أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع ميركوسور، التي بدأ تطبيقها مؤقتا في مايو 2026، تتيح تحقيق مكاسب في وقت أبكر، إذ من المتوقع أن تسهم في زيادة صادرات الاتحاد الأوروبي السنوية بنسبة 39 بالمائة بحلول عام 2040. أما الهدف الثالث، فقد اعتبر البنك أن الاتفاقيات التجارية أصبحت أداة محورية لتعزيز الأمن الاقتصادي الأوروبي، ولا سيما فيما يتعلق بالمواد الخام الحيوية.