
لم تعد المعركة حول الذكاء الاصطناعي تدور فقط داخل مراكز البيانات أو شاشات الحواسيب. فالتكنولوجيا التي بدأت كمساعد لتحليل المعلومات واتخاذ القرارات تتجه الآن إلى قلب المصانع وشبكات الكهرباء ومراكز البيانات ومزارع الطاقة، لتصبح قادرة على التأثير مباشرة في العمليات المادية التي تقوم عليها الحياة اليومية.
وبينما تتسابق المؤسسات لإدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذه البيئات، يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل تطورت منظومات الحماية بالسرعة نفسها التي تطورت بها التكنولوجيا؟
سباق متسارع
يشهد القطاع الصناعي والبنية التحتية الحيوية سباقاً متسارعاً نحو مستقبل مدعوم بالذكاء الاصطناعي، مدفوعاً بوعود ضخمة تتعلق برفع الكفاءة، وتحسين العمليات، وتعزيز القدرة التنافسية.
بيد أن هذا التحول يفتح في الوقت نفسه باباً لمخاطر جديدة، خصوصاً عندما تنتقل تقنيات الذكاء الاصطناعي من دور المساندة إلى المشاركة في التحكم الفعلي بالعمليات الصناعية.
وفي حين يحظى الأمن السيبراني لأنظمة تكنولوجيا المعلومات ونماذج الذكاء الاصطناعي نفسها باهتمام متزايد، لا يزال تأثير الذكاء الاصطناعي في سلامة وأمن ومرونة بيئات التشغيل الصناعية أقل حضوراً.
والحقيقة أن الثورة في الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تستمر من دون الطاقة والبنية التحتية، كما أن هذه البنية لن تستطيع الصمود طويلاً من دون حماية متقدمة لتكنولوجيا التشغيل.
وتؤكد نتائج تقرير «دراغوس» للأمن السيبراني لتكنولوجيا التشغيل وأنظمة التحكم الصناعي لعام 2026 أن التهديد لم يعد افتراضياً؛ إذ يعمل مهاجمون بالفعل داخل بيئات صناعية لا تملك القدر الكافي من أدوات المراقبة لاكتشاف وجودهم.
ومن شأن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي أن يجعل مشكلة الرؤية الأمنية أكثر تعقيداً.
40 عاماً من التحول
تطورت بيئات تكنولوجيا التشغيل بصورة متسارعة خلال العقود الأربعة الماضية. فبعد أن كانت تعتمد على أدوات وتحكمات ميكانيكية، تحولت إلى أنظمة رقمية، ثم انتقلت خلال العقود الثلاثة الأخيرة من شبكات معزولة إلى بنية تحتية متصلة ببروتوكول الإنترنت.
خلال العقدين الماضيين أصبحت هذه البيئات أكثر تعقيداً، مع اندماج أنظمة التشغيل وتكنولوجيا المعلومات وأجهزة إنترنت الأشياء.
وخلال العقد الأخير، تسارعت عملية التحول الرقمي بصورة أكبر، محققة مكاسب كبيرة في الكفاءة والإنتاجية، لكنها في المقابل أوجدت مساحات جديدة للهجوم واعتماديات تقنية لم تحصل بعد على المستوى الكافي من الحماية.
والآن تبدأ مرحلة جديدة مع إدخال الذكاء الاصطناعي إلى بيئات تكنولوجيا التشغيل، في وقت تتحرك فيه وتيرة التبني أسرع من قدرة المؤسسات على إدارة المخاطر المرتبطة به.
الذكاء الاصطناعي يدخل "حلقة التحكم"
تتجه مصانع وشبكات كهرباء ومراكز بيانات ومؤسسات تعتمد على عمليات مادية إلى نقل الذكاء الاصطناعي من أدوار الدعم والتحليل إلى «حلقة التحكم» نفسها، مستفيدة من قدرته على اتخاذ قرارات يمكن أن تؤثر مباشرة في العالم المادي.
وبدأ المستخدمون الأوائل في نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي ووحدات التحكم والبرمجيات داخل العمليات التشغيلية، فيما تدرس بعض المؤسسات استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل في مزارع البطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتعدين وغيرها من قطاعات البنية التحتية الحيوية.
في الوقت ذاته، تضغط مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية والمستثمرون لتسريع تبني هذه التقنيات، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص المدد المخصصة للاختبار والتحقق، وتخفيف التدقيق في الموردين الجدد، وإضافة مستويات جديدة من التعقيد إلى بيئات تشغيلية شديدة الحساسية.

التهديد يسبق الدفاع
لا ينتظر المهاجمون اكتمال هذه التحولات، فقد أظهر تقرير «دراغوس» أن مجموعات تهديد مرتبطة بجهات حكومية ومجرمين إلكترونيين حول العالم تجاوزت مرحلة استكشاف الشبكات، وبدأت برسم خرائط لما يعرف بـ«حلقات التحكم»، بما يشمل تحديد أجهزة العمل الهندسية، واستخراج ملفات الإعدادات وبيانات الإنذارات، ودراسة كيفية عمل العمليات الفيزيائية بما يكفي لتعطيلها.
ومن بين هذه المجموعات «إلكتريوم» و«كاماكايت».
فقد أمضت «كاماكايت» أشهراً في رسم خرائط منهجية لحلقات التحكم في البنية التحتية الأمريكية، بينما طورت «إلكتريوم»، المرتبطة بهجمات استهدفت شبكة الكهرباء الأوكرانية عامي 2015 و2016، قدراتها على مدار عقد من الزمن.
وفي ديسمبر 2025، نفذت «إلكتريوم» هجوماً في بولندا، في عملية وُصفت بأنها أول هجوم سيبراني كبير ومنسق يستهدف موارد الطاقة الموزعة، بما فيها أنظمة إدارة الطاقة المتجددة، وهي من بين البنى التحتية التي يجري توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين أدائها.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يقع خلل في بيئة التشغيل، سواء نتيجة هجوم إلكتروني أو عطل فني أو خطأ تشغيلي. ففي هذه الحالات تحتاج المؤسسات إلى القدرة على تحديد السبب الجذري للحادث، لكن كثيراً منها لا يمتلك هذه القدرة، إما لاعتماده على أدوات مراقبة تكنولوجيا المعلومات التي لا تغطي بيئة التشغيل، أو بسبب ضعف الاستثمار في أدوات الرؤية والمراقبة الخاصة بها.
ومع إضافة طبقات جديدة من اتخاذ القرار الذاتي، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يزيد صعوبة معرفة ما يحدث داخل الأنظمة، وبالتالي يعقد التحقيق في الحوادث وتحديد أسبابها.
سيناريوهان يجب الاستعداد لهما
يبرز سيناريوهان يستحقان اهتمام المؤسسات مع توسع الاعتماد على القرارات المستقلة في البنية التحتية الحيوية.
الأول يتمثل في اختفاء تقنيات الذكاء الاصطناعي أو البيانات المرتبطة بها نتيجة اضطراب في السوق.
فمع احتمال حدوث تصحيح في سوق الذكاء الاصطناعي مستقبلاً، ينبغي للمؤسسات أن تسأل منذ الآن: ماذا سيحدث للعمليات إذا أصبح أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أو البيانات المرتبطة به غير متاح بصورة مفاجئة؟ وهل يقدم الموردون ضمانات واضحة لاستمرارية الخدمة؟ وهل يمكن تشغيل المنشأة يدوياً أو باستخدام الأنظمة القديمة عند توقف الذكاء الاصطناعي؟
أما السيناريو الثاني فهو العجز عن تحديد السبب الجذري بسبب «النقاط العمياء» التي يخلقها الذكاء الاصطناعي.
فكلما أصبحت البيئات التشغيلية أكثر تعقيداً، ازدادت صعوبة فهم ما يحدث داخلها. ولذلك تحتاج المؤسسات إلى جمع البيانات التشغيلية بصورة مستمرة حتى تتمكن من تحليل أي حادث وتحديد مصدره، سواء كان هجوماً إلكترونياً أو عطلاً أو خطأ بشرياً.

3 خطوات لحماية البنية التحتية |
1- وضع حوكمة واضحة لتبني الذكاء الاصطناعي، مع إخضاع هذه التقنيات لمستويات الاختبار والتحقق والتقييم المستمر نفسها المطبقة على أنظمة التحكم التقليدية. ويجب ألا يؤدي ضغط المنافسة إلى تجاوز الانضباط الهندسي الذي ساهم تاريخياً في الحفاظ على سلامة العمليات. |
2- يتعين تعزيز أدوات الرؤية والمراقبة المتخصصة في بيئات تكنولوجيا التشغيل قبل أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي إلى زيادة التعقيد. ووفق بيانات تقرير «دراغوس»، تمكنت المؤسسات الصناعية التي تمتلك رؤية شاملة لبيئات التشغيل من اكتشاف احتواء حوادث برامج الفدية خلال 5 أيام في المتوسط، مقارنة بمتوسط بلغ 42 يوماً على مستوى القطاع. |
3- يجب التخطيط للفشل قبل وقوعه، من خلال تحديد الاعتماديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفهم ما سيحدث في حال تعطل نظام أو مورد، والحفاظ على القدرة التشغيلية من دون الذكاء الاصطناعي عند الحاجة. |
الحماية تبدأ قبل الأزمة
تأمين الأنظمة الصناعية المعقدة ليس مهمة مستحيلة؛ فالأدوات والتقنيات والخبرات اللازمة موجودة بالفعل.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في إدراك أن توسع الذكاء الاصطناعي داخل البنية التحتية الحيوية يخلق نوعاً جديداً من المخاطر، يتطلب تعاوناً بين الشركات والقطاعات والجهات الحكومية.
وسيستمر الضغط لتسريع الابتكار وتبني الذكاء الاصطناعي.
لكن قدرة المؤسسات على الاستفادة من هذه التكنولوجيا على المدى الطويل ستعتمد، إلى حد كبير، على مدى استعدادها للتعامل مع احتمالات فشلها قبل أن تصبح جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من العمليات.
المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي