
في 3 مارس 2020، لم ينتظر الاحتياطي الفيدرالي موعده الدوري، فتفشّـي فيروس كورونا دفع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة إلى خفض الفائدة نصف نقطة مئوية في اجتماع استثنائي.
كان الدرس عمليًا؛ جدول الاجتماعات ينظم القرارات، لكنه لا يستطيع توقع الأزمات، فخلال الصدمات الكبرى، تصبح سرعة الاستجابة جزءًا من السياسة النقدية نفسها، لا مجرد مسألة إدارية.
ومن هنا تنشأ مفارقة خطة جديدة لرئيس الفيدرالي "كيفين وارش" الذي يدعو إلى اجتماعات أقل لاتخاذ قرارات الفائدة، مع الاحتفاظ بباب الطوارئ مفتوحًا. فهل يصبح البنك أكثر تفكيرًا، أم أبطأ استجابة؟
ماذا أعلن وارش بالضبط؟
- في مؤتمره الصحفي عقب قرار تثبيت الفائدة أمس الأربعاء قال "وارش": "قررنا تغيير جدول اجتماعات اللجنة بدءًا من الخريف المقبل".
- حدد أن الاجتماعات الثمانية السنوية ستبقى، لكن أحد اجتماعات 2027 سيُخصّص حصريًا لاستراتيجية السياسة النقدية العامة، دون تصويت على الفائدة أو إصدار بيان نقدي متوقع.
- أضاف أنه يتوقع تخصيص اجتماعين للاستراتيجية وستة لاتخاذ القرارات في 2028، وعلّل ذلك بإتاحة وقت للنقاش في القضايا بعيدة المدى، بدلًا من الاكتفاء بالتطورات الآنية.
هل القرار محسوم؟
- المؤكد أنه إعلان مؤسسي بصيغة "قررنا" يخص خطة عام 2027، وليس مجرد فكرة شخصية؛ أما الإشارة لخطة عام 2028 فبدت أقل حسمًا.
- غير أن البيان الرسمي للفيدرالي لا يوثّق تصويتًا على إعادة هيكلة جدول الاجتماعات، وكان التصويت المعلن بنتيجة 10 مؤيدين مقابل 2 معارضين بشأن تثبيت الفائدة وليس لتعديل الجدول.
- أما محضر اجتماع يوليو، المنشور في أغسطس، فقد سجّل اقتراح "وارش" تقليص الاجتماعات، وأكد صراحة عدم اتخاذ قرار آنذاك.
- لم يتضح بعد هل أُقر التنظيم الجديد لاحقًا بتصويت رسمي أم بمجرد توافق شفهي، لكن قد يوضح محضر أكتوبر، المقرر نشره الشهر المقبل، ذلك.

هل يحتاج الأمر موافقة الكونجرس؟
- لا، في حدود الخطة المعلنة.
- يشترط القانون الأمريكي للاحتياطي الفيدرالي اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أربع مرات سنويًا على الأقل، ولا تدعو صراحة إلى ثماني عمليات تصويت على الفائدة.
- أما سر الاجتماعات الثمانية فهو عرف وإجراء داخلي تبنته اللجنة تنظيميًا منذ عام 1981 لتسهيل ملاحقة التغيرات الاقتصادية السريعة، وليس فرضًا تشريعيًا نص عليه نص القانون الأساسي.
- تتيح القواعد لرئيس البنك المركزي الدعوة لاجتماعات إضافية، أو لثلاثة أعضاء طلب ذلك، ويُعد أمين السر جدول الأعمال بالتشاور مع الرئيس.
- لا يوجد نص يفرض تصويتًا مستقلًا على مسألة تخصيص اجتماع للاستراتيجية، لكن ذلك لا يمنح "وارش" سلطة منفردة لتعطيل صلاحيات اللجنة.
- كما تسمح القواعد باتخاذ قرارات نقدية بين الاجتماعات في ظروف خاصة، بموافقة أغلبية الأعضاء.
هل ترتفع علاوة المخاطرة؟
- خلال جلسة أمس الأربعاء، هبط عائد السندات الأمريكية لأجل عامين بنحو أربع نقاط أساس بعد التصريحات، وتراجع الدولار. وذكر محللو "ستاندرد تشارترد" أن السوق فهم التغيير بوصفه إشارة أقل تشددًا.
- لكن انخفاض العائد لا يثبت انخفاض علاوة المخاطرة؛ فقد يعكس تغير توقعات مسار الفائدة، خاصة أن عوائد الآجال الأطول ارتفعت.

- تقليل أيام القرارات قد يخفض تكرار مفاجآت الاجتماعات، لكنه يترك المعلومات الاقتصادية تتراكم مدة أطول قبل القرار التالي.
- عند وقوع صدمة تضخمية أو مصرفية، قد يزداد التحوط في خيارات الفائدة وتتسع علاوة عدم اليقين، خصوصًا إن أصبح توقيت الاستجابة أقل وضوحًا.
- توثّق دراسة للباحثين "بافل سافور" و"مونجو ويلسون" وجود تعويض يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر الإعلانات الاقتصادية، لكنها لا تثبت أن تقليل الاجتماعات يرفع العلاوة تلقائيًا.
- المسألة ليست نظرية تمامًا، حيث رجّح "عمير شريف" رئيس "إنفليشن إنسيتس" للأبحاث، أن يكون اجتماع أكتوبر 2027 استراتيجيًا، بما قد يترك نحو 12 أسبوعًا بين قراري سبتمبر وديسمبر.
- قد ينظر إلى هذه الفترة باعتبارها فجوة زمنية كبيرة، لكنها تسمح أيضًا بتراكم مجموعة أكبر من البيانات. لكن هذا السيناريو لم يؤكده الفيدرالي حتى الآن.
خطر التأخر: أين تكمن المفارقة؟
- الحجة المضادة قوية أيضًا، فإطالة الفاصل تمنع الاستجابة المتسرعة لـ "ضوضاء البيانات المنفردة"، وتوفر رؤية أوضح لاتجاه الاقتصاد، وهذا رأي وجيه، خصوصًا أن باب القرار الطارئ ما زال متاحًا.

- في حين تثبت تجربة مارس 2020 القدرة على التدخل الطارئ، فإنها لا تعد ضمانًا لاستخدامها مبكرًا، وقد تتأخر الاستجابة لصدمات تتفاقم تدريجيًا دون بلوغ عتبة تستدعي اجتماعًا استثنائيًا.
- المعيار الحقيقي إذن ليس عدد الاجتماعات، بل ألا يتحول باب الطوارئ إلى بديل دائم عن سرعة القرار المعتاد.
- في الوقت الراهن، ستراقب الأسواق صدور محضر الاجتماع في 18 نوفمبر، وتحديد موعد الاجتماع الاستراتيجي في 2027، ثم تسعير خيارات الفائدة حول الفجوة الجديدة.
المصادر: أرقام- الاحتياطي الفيدرالي- الكونجرس الأمريكي- بلومبرج- رويترز- دراسة بعنوان "How Much Do Investors Care About Macroeconomic Risk? Evidence from Scheduled Economic Announcements"