All News
All Companies
العربية
All News /
النفط والغاز
النفط لا يحدد وحده سعر البنزين .. فما الذي يحدد فاتورة ملء خزان الوقود؟
2026-08-18

النفط لا يحدد وحده سعر البنزين .. فما الذي يحدد فاتورة ملء خزان الوقود؟

بينما يقف سائق في هونج كونج ليدفع نحو 15 دولاراً مقابل كل جالون من البنزين، يمكن لسائق آخر في فنزويلا شراء الجالون نفسه بتكلفة لا تتجاوز بضعة سنتات، ويكشف هذا الفارق الهائل أن السعر الذي يظهر على شاشة المضخة لا تحدده تكلفة النفط الخام وحدها.

وخلف الأرقام التي تتغير على شاشة المضخة أمام عينيك توجد سوق عالمية ضخمة للوقود؛ فقد بلغ الطلب العالمي على البنزين نحو 27.9 مليون برميل يوميًا خلال 2025، أي ما يعادل أكثر من 10 مليارات برميل سنويًا، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية.

وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا يقتصر تأثير أسعار البنزين على مجرد فارق بضعة سنتات بين محطة وأخرى؛ إذ بلغ استهلاكها نحو 136.53 مليار جالون من البنزين النهائي خلال عام 2025.

ويعني هذا أن تغيرًا في السعر بمقدار 10 سنتات فقط للجالون يمكن أن يغير قيمة المبيعات السنوية بنحو 13.7 مليار دولار، إذا ظل حجم الاستهلاك ثابتًا.

صحيح أن النفط الخام هو المادة الأساسية التي يبدأ منها إنتاج وقود النقل، لكنه ليس سوى حلقة واحدة في سلسلة طويلة تحدد السعر الذي يظهر في النهاية على شاشة المضخة.

فمن لحظة استخراج النفط من باطن الأرض، يمر الخام عبر المصافي، وشبكات النقل والتخزين، ومنظومة الضرائب والرسوم، وصولًا إلى محطات التجزئة التي تبيع الوقود للمستهلك. وكل مرحلة من هذه المراحل تضيف تكلفة أو تتأثر بظروف السوق الخاصة بها.

النفط الخام يبدأ عملية التسعير لكنه لا ينهيها

تحدد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أربعة مكونات رئيسية لسعر البنزين بالتجزئة: النفط الخام، وتكاليف وأرباح التكرير، والتوزيع والتسويق، والضرائب.

ولا يظل كل مكون ثابتًا، بل يتغير مع تحركات الأسواق والطلب الموسمي والقدرات التكريرية والسياسات الحكومية.

ولذلك، فإن العلاقة بين سعر النفط الخام وسعر البنزين موجودة بالفعل، لكنها ليست علاقة مباشرة أو متطابقة؛ فما يدفعه المستهلك في النهاية هو حصيلة رحلة اقتصادية كاملة، وليس مجرد انعكاس لسعر برميل النفط.

ورغم أن النفط الخام يظل أكبر عنصر في تكلفة البنزين، فإن المصافي تحوله إلى مجموعة من المنتجات النفطية، لكل منها سوقه الخاص وسعره الذي يتأثر بالعرض والطلب.

ولذلك، لا ينتقل سعر الخام إلى البنزين بصورة آلية أو متطابقة، بل يمر أولًا عبر اقتصاديات التكرير التي يمكن أن تتغير بوتيرة مختلفة عن سوق النفط.

وتكشف بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية مدى أهمية هذه العوامل، ففي مارس 2026 بلغ متوسط سعر جالون البنزين العادي بالتجزئة في الولايات المتحدة 3.638 دولار.

وكان النفط الخام يمثل 56.9% من السعر، أي نحو 2.07 دولار للجالون، بينما استحوذت تكاليف وأرباح التكرير على 21.3%، أي نحو 0.77 دولار، والتوزيع والتسويق على 7.6%، أي نحو 0.28 دولار.

والأهم أن هذه النسب نفسها ليست ثابتة حتى داخل السوق الأمريكية، ففي ديسمبر 2025 كانت حصة التكرير من سعر البنزين لا تتجاوز 9.2%، قبل أن ترتفع إلى 19.7% في يناير 2026، ثم 21.3% في مارس.

في المقابل، تقدم الصين نموذجًا مختلفًا؛ إذ لا تُترك أسعار البنزين بالتجزئة بالكامل لتحركات السوق اليومية، بل تخضع لآلية تسعير حكومية تربط أسعار المنتجات النفطية المحلية بمتوسطات أسعار النفط العالمية.

وفي 23 مارس 2026، أعلنت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح أن السعر المحسوب وفق الآلية كان يستدعي زيادة أسعار البنزين بنحو 2205 يوانات للطن (نحو 320 دولارًا أمريكيًا)، لكن الحكومة اكتفت بزيادة 1160 يوانًا للطن للتخفيف على المستهلكين.

سعر البنزين قد يرتفع حتى مع استقرار النفط

قد تشهد أسعار النفط الخام استقرارًا في بعض الأحيان، إلا أن هذا لا يعني أن أسعار البنزين تتبع النفط في هذا الاتجاه بل أنها تتغير بحسب الطلب.

وتظهر هذه الموسمية في البيانات الأمريكية؛ إذ تشير إدارة معلومات الطاقة إلى أن أسعار البنزين تميل إلى الارتفاع خلال أشهر الصيف مقارنة ببداية العام، بالتزامن مع زيادة الطلب والتحول إلى تركيبات الوقود الصيفية.

ولا تقتصر هذه العلاقة غير المباشرة على الولايات المتحدة؛ ففي أستراليا، لا يعتمد تسعير البنزين المحلي على خام النفط وحده، بل يرتبط بدرجة كبيرة بسعر البنزين المكرر في سنغافورة "موغاس 95".

وشكّل موغاس 95 نحو 49% من متوسط سعر التجزئة في المدن الأسترالية الخمس الكبرى خلال الربع الأول من 2024.

وخلال الربع الأول من العام الحالي، ارتفع سعر البنزين المكرر في الأسواق الآسيوية بنحو 72% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما ارتفعت أسعار الديزل ووقود الطائرات بنسب أكبر خلال الفترة ذاتها.

وهنا تظهر إحدى أهم حلقات سلسلة التسعير، وهي أن المستهلك لا يشتري برميل النفط، بل يشتري منتجًا مكررًا. وكلما أصبحت إمدادات هذا المنتج أكثر محدودية مقارنة بحجم الطلب، يمكن أن يرتفع سعره بوتيرة تفوق حركة الخام.

الضرائب في ميزان سعر البنزين

إذا كان النفط الخام يمثل نقطة البداية في رحلة تسعير البنزين، فإن الضرائب والرسوم الحكومية تمثل إحدى أكثر المحطات تأثيرًا في السعر الذي يراه المستهلك في النهاية.

فالحكومات لا تتعامل مع الوقود باعتباره سلعة عادية فقط، بل تفرض عليه في كثير من الأسواق ضرائب استهلاك وضريبة قيمة مضافة ورسومًا أخرى، ما يجعل الفاتورة النهائية مرتبطة بالسياسة المالية بقدر ارتباطها بأسواق الطاقة.

وتكشف المقارنة بين الولايات المتحدة وأوروبا حجم هذا التأثير. ففي الولايات المتحدة، بلغ متوسط سعر البنزين العادي نحو 2.81 دولار للجالون في يناير 2026، بينما بلغت الضرائب والرسوم الفيدرالية وضرائب الولايات مجتمعة نحو 52 سنتًا للجالون.

ويعني هذا أن الضرائب استحوذت على نحو 18.5% من السعر النهائي، أو قرابة 19 سنتًا من كل دولار يدفعه المستهلك.

لكن الفارق يصبح أكثر وضوحًا في أوروبا، ففي المملكة المتحدة، تصل الضرائب إلى نحو 55.9% من سعر لتر البنزين، حيث يجمع السعر بين ضريبة وقود قدرها 52.95 بنس للتر وضريبة قيمة مضافة بنسبة 20%.

وفي الطرف المقابل، تقدم فنزويلا نموذجًا مختلفًا جذريًا؛ إذ تعتمد الدولة منذ سنوات على أسعار وقود مدعومة ومنظمة بشدة، ما يجعل السعر الذي يدفعه المستهلك بعيدًا عن تكلفة الوقود التي تحددها الأسواق العالمية.

المسافة.. المحطة الأخيرة في التسعير

لا تنتهي قصة تسعير البنزين عند المصفاة أو الضرائب؛ فما بين خروج الوقود من منشأة التكرير ووصوله إلى خزان السيارة، تمر السلعة عبر شبكة من خطوط الأنابيب ومحطات التخزين ومنشآت المزج وشاحنات الصهاريج.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن معظم البنزين ينتقل عبر خطوط الأنابيب إلى منشآت تخزين قريبة من مناطق الاستهلاك، قبل أن يُنقل في شاحنات إلى محطات الوقود، حيث يدخل في السعر النهائي تكاليف النقل والتخزين والتشغيل والتسويق وهامش التجزئة.

وتظهر أهمية هذه المرحلة بوضوح في الفروق الجغرافية داخل الولايات المتحدة نفسها. ففي عام 2025، بلغ متوسط سعر البنزين العادي 2.677 دولار للجالون على ساحل الخليج، مقابل 4.094 دولار على الساحل الغربي؛ أي فارق يبلغ نحو 1.42 دولار للجالون.

ويرجع هذا التفاوت إلى المسافة الفاصلة عن مصادر الإمداد، والاختناقات اللوجستية، وتكاليف التشغيل، والضرائب، والمنافسة المحلية، إلى جانب اختلاف مواصفات الوقود.

وهكذا فإن مضخة الوقود ليست مجرد المحطة الأخيرة في رحلة برميل النفط؛ إنها المكان الذي تتجسد فيه الفاتورة النهائية لسلسلة اقتصادية كاملة، من البئر إلى المصفاة، ومن خطوط الأنابيب إلى الضرائب، ومن السوق العالمية إلى الشارع الذي يقف فيه المستهلك.

المصادر: أرقام- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- مجلس المستهلك في هونج كونج- المفوضية الأوروبية- لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية- معهد البترول الأمريكي

Source: Argaam