
من نيويورك إلى لندن، تنتشر ملايين السيارات على الطرق وتقطع آلاف الكيلومترات، حاملةً معها أحد أكبر استخدامات النفط في العالم: وقود النقل.
ويجلس خلف عدد كبير من عجلات القيادة أفراد من جيل طفرة المواليد الذي يقدر عددهم بنحو مليار نسمة، وهو الجيل الذي نشأ مع ازدهار السيارات الخاصة وتحولها إلى جزء أساسي من الحياة اليومية، ليصبح وقودها أحد أعمدة الاقتصاد العالمي.
وفي الوقت الحالي يتجه جيل طفرة المواليد، المولود بين عامي 1946 و1964، تباعًا نحو سن التقاعد. إذ سيكون جميع أفراد جيل طفرة المواليد الذي يشكلون قرابة 13% من سكان العالم، قد بلغوا 65 عامًا على الأقل بحلول 2030.
ومع مغادرة ملايين الأشخاص سوق العمل وتغير أنماط تنقلهم واستهلاكهم، يبرز سؤال: من سيجلس خلف عجلة القيادة عندما يتراجع أحد أكبر أجيال المستهلكين سنًا عن القيادة؟
قد يبدو السؤال ديموغرافيًا في ظاهره، لكنه يخفي وراءه معركة اقتصادية أكبر على البرميل نفسه؛ فبينما تتقدم الاقتصادات المتقدمة نحو الشيخوخة السكانية، تنمو الهند وجنوب شرق آسيا وأفريقيا بسرعة، وتدخل أجيال أصغر سنًا إلى سوق العمل والمدن والأسواق الاستهلاكية.
التحول الديموغرافي بدأ بالفعل
يتجاوز التحول الديموغرافي في العالم بكثير مسألة تقاعد جيل واحد، فوفقًا للأمم المتحدة، بلغ عدد سكان العالم نحو 8.2 مليار نسمة في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى ذروة تبلغ نحو 10.3 مليار نسمة في منتصف ثمانينيات هذا القرن.
وفي الوقت نفسه، تتقدم الشيخوخة السكانية في معظم أنحاء العالم، وإن كان ذلك بسرعات متفاوتة.
وبحلول عام 2050، من المتوقع أن يصل عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر إلى نحو 1.5 مليار شخص، مقارنة بنحو 703 ملايين شخص في عام 2019 وفق بيانات الأمم المتحدة.
لكن شيخوخة السكان لا تعني بالضرورة اختفاء الطلب على النفط، بل قد تغير خريطته الجغرافية وتركيبته، مع انتقال جزء أكبر من نمو الاستهلاك إلى الاقتصادات الأصغر سنًا والأسرع نموًا.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يتركز جزء كبير من نمو السكان العالمي في مجموعة محدودة من الدول من بينها الهند ونيجيريا وباكستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإندونيسيا، بما يعيد توزيع مراكز الاستهلاك نحو اقتصادات تضم أعدادًا أكبر من السكان الأصغر سنًا.
وظهر هذا التباين الديموغرافي بالفعل في سوق النفط ؛ ففي عام 2025، جاءت جميع الزيادة تقريبًا في استهلاك النفط العالمي من الاقتصادات الناشئة والنامية، التي أضافت نحو 600 ألف برميل يوميًا.
وأسهمت الاقتصادات الناشئة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وحدها بنحو 360 ألف برميل يوميًا من الزيادة في الاستهلاك.
في المقابل، ظل الطلب على النفط في الاقتصادات المتقدمة دون مستويات ما قبل الجائحة، بينما استقر استهلاك وقود الطرق فيها خلال عام 2025 مقارنة بالعام الذي سبقه.
الهند تصبح مركز الثقل
إذا كانت هناك دولة واحدة توضح من يمكنه تعويض الطلب على النفط في الأسواق الناضجة، فقد تكون هي الهند.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الهند أكبر مصدر لنمو الطلب على النفط في العالم حتى عام 2030، مع زيادة الاستهلاك سنويًا بنحو 1.2 مليون برميل يوميًا ليمثل ذلك نحو ثلث الزيادة العالمية المتوقعة البالغة 3.2 مليون برميل يوميًا بحلول 2030.
ولا يعود ذلك إلى عدد السكان وحده، فالنمو الاقتصادي في الهند، والتصنيع، وارتفاع تملك السيارات، كلها عوامل تزيد استهلاك الطاقة.
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الديزل سيمثل قرابة نصف الزيادة في الطلب على النفط في الهند حتى عام 2030، بينما من المتوقع أن ينمو الطلب على وقود الطائرات بمعدل سنوي يبلغ نحو 5.9% في المتوسط.

وبين عامي 2019 و2024، ارتفع استهلاك الهند من النفط بنسبة 11.6%، بينما قفز استهلاك البنزين بنسبة 41.7%، بزيادة بلغت نحو 310 آلاف برميل يوميًا.
وتكشف تجربة الهند أن الطلب المستقبلي على النفط لن يأتي فقط من السيارات الخاصة، فالتوسع الصناعي في البلاد يزيد الطلب على الديزل ووقود الطائرات وغاز البترول المسال، بينما يجري إنشاء طاقات تكرير جديدة لتلبية الاستهلاك المحلي.
جنوب شرق آسيا وأفريقيا يقدمان مستهلكين أصغر سنًا
الهند ليست وحدها في هذا الإطار، فجنوب شرق آسيا يبرز كمصدر آخر مهم للزيادة في استهلاك النفط، مع توسع الاقتصادات، ونمو المدن، وزيادة الاعتماد على وسائل النقل الآلية.
وأفادت وكالة الطاقة الدولية بأن الطلب على النفط في جنوب شرق آسيا ارتفع بنسبة 2.6% في عام 2024، بينما حددت الوكالة المنطقة على المدى الأطول باعتبارها واحدة من مراكز النمو الرئيسية للطلب العالمي على النفط.
ويظهر دور أفريقيا أيضًا في البيانات، ففي عام 2025، ارتفع استهلاك النفط في أنحاء أفريقيا بنحو 190 ألف برميل يوميًا، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
ويشير هذا إلى أنه في الوقت الذي تواجه فيه أوروبا وأجزاء من شرق آسيا تقلصًا سكانيًا أو شيخوخة سريعة، لا تزال دول جنوب شرق آسيا وأفريقيا تضم أعدادًا كبيرة من السكان في سن العمل، مع استمرار التوسع الحضري ونمو الأسواق الاستهلاكية.
البرميل نفسه يتغير مع تغير مستهلكيه
هناك سبب آخر يجعل البحث عن بديل لجيل المستهلكين الأكبر سنًا غير ضروري؛ فطبيعة استهلاك البرميل نفسه تتغير.
فعلى الرغم من استمرار محورية قطاع النقل، أصبحت البتروكيماويات مصدرًا متزايد الأهمية للطلب.

ويشير تقرير وكالة الطاقة الدولية "النفط 2025" إلى أن صناعة البتروكيماويات تتجه لأن تصبح المصدر المهيمن لنمو الطلب العالمي على النفط اعتبارًا من عام 2026.
ومن المتوقع أن تحتاج صناعة البوليمرات والألياف الصناعية وحدها إلى 18.4 مليون برميل من النفط يوميًا بحلول عام 2030، أي ما يعادل برميل واحد من كل ستة براميل.
ووفقًا لفورتشن بيزنس إنسايتس، بلغ حجم سوق البتروكيماويات العالمي 674.7 مليار دولار أمريكي في 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 702.9 مليار دولار في 2026.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن البرميل المستخدم في البتروكيماويات لا يرتبط بعمر الشخص الذي يقود سيارة، فقد يتحول النفط إلى عبوات، وألياف صناعية، وبلاستيك، ومواد كيميائية، ومنتجات طبية، أو مواد صناعية.
وحتى مع انتشار السيارات الكهربائية، فإن العلاقة بين النفط والنقل تتغير، بدلًا من أن تختفي.
فرغم أن مبيعات هذه المركبات عالميًا سجلت نموًا جديدًا خلال عام 2025، لتتجاوز 20 مليون سيارة، بما يعادل نحو ربع السيارات الجديدة المباعة عالميًا، إلا أن هذه الأرقام تعكس جانبًا واحدًا فقط من الصورة.
فالسيارة الكهربائية نفسها تعتمد على عدد كبير من المنتجات البتروكيماوية، إذ تُصنع الإطارات من المطاط الصناعي، والمقاعد تعتمد على رغوات البولي يوريثان، ولوحات القيادة والأجزاء الداخلية تُصنع من البوليمرات.
وتشير دراسات شركات صناعة السيارات إلى أن المواد البلاستيكية أصبحت تمثل ما بين 10 و15% من وزن السيارة الحديثة، بينما تشغل حصة أكبر بكثير من عدد المكونات المستخدمة داخل المركبة.
مستهلك النفط المقبل قد لا يشبه المستهلك السابق
رغم تعاقب الأجيال، تظل هناك حقائق رئيسية في سوق النفط؛ فالصين حاليًا لا تزال واحدة من أكبر مستهلكي النفط في العالم، لكن طبيعة هذا الاستهلاك بدأت تتغير.

فانتشار السيارات الكهربائية هناك وتحسن كفاءة استهلاك الوقود وتوسع وسائل النقل الجماعي تحد من نمو الطلب على البنزين والديزل، إلا أن هذا يتزامن مع مواصلة الصناعات البتروكيماوية لدعم الطلب على النفط باعتباره مادة أولية لإنتاج البلاستيك والمواد الكيميائية.
أما الهند فتقدم صورة مختلفة في الطلب مع استمرار التصنيع والتحضر وارتفاع ملكية السيارات وتوسع حركة الطيران والشحن.
وهذا التباين بين الصين والهند يوضح أن مستقبل سوق النفط لن يكون رهينة لأعمار المستهلكين فقط، بل المرحلة الاقتصادية التي تمر بها كل دولة.
وهو ما يدعم توقعات منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك"، في أحدث تقرير لها "آفاق النفط العالمية 2026"، بوصول الطلب العالمي على النفط إلى 124 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2050.
ولا يتعلق انتقال مركز الطلب بمَن سيستهلك البرميل المقبل فقط، بل بمن سيموّل إنتاجه أيضًا.
فأوبك تقدّر أن صناعة النفط ستحتاج إلى استثمارات تبلغ نحو 17.7 تريليون دولار أمريكي بين عامي 2026 و2050، أي أكثر من 700 مليار دولار سنويًا، لتلبية الطلب العالمي طويل الأجل.
ويعكس ذلك حجم الرهان المالي على استمرار الطلب، حتى مع تغير جغرافيته وتركيبة استخداماته.
وهنا قد لا يكون مستهلك النفط المقبل مجرد سائق أصغر سنًا يحل محل سائق متقاعد، بل كاقتصاد كامل في مرحلة مختلفة من دورة النمو؛ اقتصاد يحتاج إلى الوقود لتحريك الشاحنات والطائرات، وإلى النفط كمادة خام لبناء المدن والمصانع والمنتجات.
فالمسألة في النهاية ليست من سيجلس خلف عجلة القيادة، بل أين سيُستهلك البرميل المقبل.
المصادر: أرقام- منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)- منظمة الأمم المتحدة- فورتشن بيزنس إنسايتس- مكتب الإحصاء الأمريكي- وكالة الطاقة الدولية